اقتباسات من كتاب فلسفة اللغة والأدب – سعيد توفيق

اقتباسات من كتاب فلسفة اللغة والأدب

كل تفكير تأملي يكون شعرًا، وكل شعر يكون بدوره نوعًا من التفكير (مارتن هيدجر)

أقرا ايضاً:

 تجربة الشاعر مع اللغة تجربة يشعر فيها الشاعر بحضور اللغة عندما تفر كلماتها منه باستمرار، وعندما يفتش عنها دومًا ويلاحقها كي يستنطقها، أي يتيح لنا أن تتحدث. ص23

 

 إننا إذا أردنا أن نفهم هيدجر حقًا، فإننا ينبغي أن نتجاوز  مفهومي العقل واللاعقل أو التعقل واللاعقلانية معًأ ليصبح الفهم في مجال الفهم التعاطفي، أي الفهم الذي يحب أن يبقى بقرب الأشياء والموجودات، لينصت إلى نداء الحقيقة والوجود الذي يتجلى في هذه الموجودات من خلال اللغة. ص39

اقتباسات-من-كتاب-فلسفة-اللغة-والأدب-سعيد-توفيق
 
 إن الروح الصوفية تنظر إلى اللغة نظرة خاصة مغايرة، نظرة تؤمن بأن الكلمة أو الإسم ذاته له قدرة خاصة. ليس المتصوفة فحسب، بل والشعراء والفلاسفة ممكن أن يكون إنتاجهم مشبعًا بتلك الروح الصوفية. ص145

 

▬ إن الصعوبات التي تكتنف فهم هيدجر – لغةً وفكرًا – ترجع إلى طرائقنا ومناهجنا التقليدية في فهم اللغة بوجةٍ عام، وإلى الأسلوب المتوارث الذي نفهم به لغة الخطاب الفلسفي باعتباره خطابًا يتوخى الدقة والوضوح، واجتناب الغموض وعدم التناقض، واستخدام لغة منطقية تتعامل بالمفاهيم المتعلقة أو التصورات المجردة. وهذا الأسلوب المعتاد للغة الخطاب الفلسفي سوف يبدو على النقيض تمامًا من أسلوب الخطاب الفلسفي لدى هيدجر، وسيحول دون فهم لغة هذا الخطاب سواءً كان يتعلق بسياق أطروحاته عن اللغة ذاتها أو بأي سياق آخر. ويمكن هنا أن نسوق الأمثلة التالية من عبارات هيدجر التي تتردد كثيرًا في سياقات مختلفة من كتاباته: “إننا نعرف العدم” ، “إن ماهية الحقيقة هي حقيقة الماهية” ، “إن شيئية الشيء هي الأسلوب الذي به يتشيأ”… إن اعتياد لغة الخطاب الفلسفي التقليدي هو ما سيعوق فهم مثل هذه العبارات الهيدجرية ليس فحسب بالنسبة للقارئ أو المتلقي العادي، وإنما أيضًا بالنسبة لبعض الفلاسفة أنفسهم ممن يشاركون في تعضيد هذا الخطاب التقليدي. وسوف نُحاكم لغة هيدجر هنا باعتبارها كلامًا خلوًا من المعنى، أو خلط فكري وإسراف في الغموض غير المبرر على أفضل تقدير. صــ 4، 5

 

▬ نتساءل مع هيدجر: هل “المنطق” هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ مطابقة الفكر للحقيقة؟ وهيدجر ينبهنا إلى أنه يضع كلمة “المنطق” بين شولتين ليبين لنا أن “المنطق” ما هو إلا تفسير واحد لطبيعة التفكير. والتفكير المنطقي مضاد للتفكير في الروح الإنساني والوجود، فهو مجرد تفكير حسابي يقوم على ملاحظة وعد الموجود باعتباره شيئًا جزئيًا يضاف إلى شيء جزئي آخر. وفي مقابل هذا التفكير يوجد نوع آخر من التفكير الذي يسميه هيدجر “التفكير الأساسي” من حيث أنه تفكير ينشغل لا بالموجود وإنما بحقيقة الوجود.. الوجود الذي يكون أقرب إلى الإنسان من أي موجود. وهذا التفكير الأساسي في الوجود الذي ينشغل به الوجود الإنساني الأصيل، هو يبتعد بطبيعته عن أي “حساب” ولا يستطيع أي “منطق” أن يدرك حقيقته. صــ 7

 

 

▬ هذه التفرقة بين الكلام والقول، أو بين اللغة التي تقول من خلال الكلام المنقول (أي المنطوق والمتخذ مظهرًا صوتيًا)، واللغة التي تقول من خلال الكلام اللامقول (أي من خلال الكلام المسكوت عنه) هذه التفرقة قد أكد عليها جادامر أيضًا في مقاله عن “الصورة الصامتة” في فقرة تستحق الاقتباس برمتها: “عندما نقول إن شخصًا ما يكون صامتًا speechless، فإننا لا  نعني بذلك أنه لا يكون لديه شيء يُقال. بل الأمر عل العكس من ذلك، فإن هذا الصمت هو في الحقيقة نوع من الكلام. وفي اللغة الألمانية نجد أن كل stumm (صامت) لها صلة وثيقة بالكلمة stammlen(يتمم أو يتلعثم). ومن المؤكد أن حيرة المتمتم لا تكمن في أنه لا يكون لديه شيء ما ليقوله. فهو بخلاف ذلك يريد أن يقول الكثير جدًا في الوقت نفسه، ولا يكون قادرًا على أن يجد الكلمات التي يعبر بها عن الثروة الضاغطة من الأشياء التي تدور بذهنه. وبالمثل، فإننا عندما نقول إن شخصًا ما قد أصابه بكم أو ران عليه الصمت فإننا لا نعني ببساطة  أنه كف عن الكلام. فندما نحتار في أن نجد الكلمات المعبرة على هذا النحو، فإن ما نريد أن نقوله يكون بالفعل قد أصبح قريبًا منا على نحو خاص باعتباره شيئًا ما يكون علينا أن نبحث عن كلمات جديد له”.. وإذا كان القول لا يوجد فقط في الكلام الذي يقال، وإنما في الكلام الذي لا يقال، أي الذي يبقى في اللاتحجب، باعتباره سرًا غير قابل للإظهار، فإن ذلك يعني أن ماهية اللغة عند هيدجر لا تكمن في مجرد الكلام المنطوق، وإنما في القول. وعلى هذا، فعندما يقول هيدجر أن اللغة تتحدث، فإنه يعني ذلك أن اللغة تتحدث بوصفها قولاً، أي باعتبارها تقول. وفي عملية القول هذه نجد هناك شيئًا يكون حاضرًا أو غائبًا، يظهر ذاته أو يتوارى. وفهم هذه العملية هو ما يمكن أن يقودنا إلى الطريق لفهم حقيقة اللغة ” فمن خصوصية اللغة أن تخفي ذاتها في ذلك الأسلوب الذي به يتيح القول لأولئك الذين ينصتون إليه أن يصلوا إلى اللغة. صــ 15، 16

 

▬ إن كل ما نعرفه عن خبرة اللغة الآن هو أنها الخبرة التي تكشف فيها اللغة عن ماهيتها باعتبار أن اللغة هي التي تتحدث، وأننا نحن الذين نتحدث من خلالها، وأن هذا التحدث هو في حقيقه قول وإفصاح، أي إظهار؛ وبالتالي فإننا عندما نتحدث اللغة نرى أنفسنا كموجودات بشرية، بل نرى الوجود نفسه. فأين، وأنى لنا أن نلقى هذه الخبرة باللغة على نحوٍ جلي؟ أين تتجلى لنا حقيقة اللغة باعتبارها قولاً وإظهارًا.. إظهارًا لأنفسنا وللوجود الذي يكتنفنا مثلما تكتنفا اللغة؟ إن إجابة هيدجر هي: في الشعر والتفكير الشعري. ولهذا يمكن أن نتساءل: كيف ولماذا تتحقق حقيقة أو ماهية اللغة في الشعر؟ وبتساؤل آخر: كيف يمكن أن تضيء خبرة الشعر خبرة اللغة؟ إن معاناة خبرة اللغة – كما اتضح لنا – يعني أن تنصت إلى اللغة ذاتها عندما تتحدث، وأن نصبح مكتفين في وجود اللغة… في حضور اللغة ذاتها. وهذا لا يمكن أن يحدث عندما نتحدث لغة الحياة اليومية، وإنما عندما “تجلب اللغة ذاتها إلى اللغة”: فنحن في لغة الكلام اليومي نتحدث عن أشياء بواسطة اللغة، سواء كنا نتحدث عن جملة من الوقائع، أو عن حدث ما، أو سؤال أو مسألة تشغل اهتمامنا. ولكن في  مثل هذا الاستخدام للغة لا يكن أن تجلب اللغة ذاتها إلى اللغة، أي لا يمكن أن تتكشف لنا طبيعة للغة باعتبارها كيانًا له حضوره الخاص الذي يكتنفنا، بل إن طبيعة اللغة تتراجع هنا عندما  نتحدث اللغة (على هذا النحو). فمن العجيب أن اللغة تتحدث ذاتها كلغة عندما لا نستطيع أن نجد الكلمة الملائمة لشيء ما يشغلنا، يحبطنا أو يشجعنا.. فعندئذ نترك ما يجول بخاطرنا لا منطوقًا دن أن نهبه فكرًا صحيحًا، ونمر بلحظات نشعر فيها بحضور اللغة ذاتها التي مستنا عن بعد وبشكلٍ عابر. وهذه الخبرة التي يبقى فيها شيء ما لامنطوقًا ومحتاجًا إلى اللغة التي تمنحه أو تمنع عنه الكلمة الملائمة، هي خبرة الشعر أو الشاعر. صــ 21، 22

 

▬ ما المقصود بخبرة لشعر هنا؟ إننا نعلم أن هيدجر يستخدم كلمة الشعر بمعنيين: الشعر بمعناه الواسع أو الماهوي Poetry، والشعر  بمعناه الضيق الذي يشير إلى “قرض الشعر” أو “فن القصيد Poesy وعلى هذا، فعندما يتحدث هيدجر عن خبرة الشعر، فإنه يعني في المقام الأول خبرة ممارسة التفكير الشعري الذي يكون ماثلًا في كل فن وكل تفكير أصيل باعتباره عملية جلب وإظهار الموجود على مجال “الانفتاح”؛ فكل فن يكون شعرًا بعذا المعنى الماهوي الواسع للشعر، تمامًا مثلما أن كل فن يكون لغة بالمعنى الواسع الماهوي للغة الذي لا تكون فيه اللغة مجرد أداة للتوصيل، وإنما عملية كشف وإظهار من خلال اللاتحجب والتحجب، ومن هنا أيضًا فإن فن شعب ما  يكشف عن لغة هذا الشعب في التعبير عن عالمه وإظهاره. فالفن يكو شعرًا بهذا المعنى الواسع الذي  تتحقق فيه ماهية اللغة والشعر. صــ 23

 

▬ ومن هنا كانت أهمية الدور الفينومينولوجي الذي اضطلع به ميرلوبونتي ليبين كيف تتم عملية الاتصال في إطار سابق على الذاتية والموضوعية، وقد وجد ميرلوبونتي هذا التفسير من خلال موقف حي معيش للبدن يلتحم فيه الفكر باللغة، والمعنى بالكلمة، والإيماءة بالدلالة.. ليست هناك كلمات يمكن أن ننظر إليها بدون معناها، وليست هناك معانٍ اصطلاحية كما لو كانت معاني مثالية توجد في قاموس مثالي، فالحقيقة أن الكلمات تكتسب معانيها في استعمالنا اليومي، فالكلمات هي تعبيرات بدنية مخصبة بمعانيها، وليس هناك قاموس لهذا. فعلاقة الكلمات بمعانيها ليست من قبيل علاقة التناظر correspondence التي تعرف في المنطق بإسم “علاقة واحد إلى واحد”. one  to one relation ومن هنا يتضح لنا الخطأ الذي يقع فيه الدارسون المبتدئون، حينما يحاولون تعلم لغة أجنبية بالإلتجاء إلى قاموس ذي لغتين. فليس يكفي – على سبيل المثال – أن نربط كلمة فرنسية بكلمة إنجليزية حتى نفهم، ففم اللغة الفرنسية يعني الاستجابة للكلمات على النحو نفسه الذي يستجيب به متحدثو  الفرنسية الأصليون. صــ 57

 

▬ وليس في وسعنا – ولا هدفنا – أن نتابع تحليلات ميرلوبونتي العديدة للغة، وإنما يهمنا فقط أن نبين كيف يفهم ميرلوبونتي الخبرة الجمالية على أساس من فهم خبرة اللغة كخبرة بتعبير إيمائي محسوس لا يختلف عن سائر الإيماءات البدنية. ويمكن تلخيص الإيماءات عند ميرلوبونتي على النحو التالي: 1- إن الإيماءات باعتبارها مرئية ومسموعة، فإنها تُدرَكُ حسيًا، لأنها فعل من أفعال البدن، والمرء يقصدها أيضًا من خلال خبرة البدن. 2- إن التعبير الإيمائي، هو تعبير لا يكون فيه المعنى منفصلًا عن الإيماءة، بل مباطنًا فيها،  فالمعاني ليست أفكارًا متمثلة، وإنما أفكار مجسدة في – ومتزامنة مع – إيماءات أو وسائط تعبيرية محسوسة. 3- إن معاني الإيماءات لا يمكن فهمها، إلا داخل موقف كلي معيش. صــ 60

 

▬ ينظر ميرلوبونتي إلى فعلِ الاتصال اللغوي على أنه فعل بدني، وليس فعلًا من أفعال التفكير، فالفكرُ يكون في الحديث نفسه، في الكلمات المنطوقة، لأن العلاقة بين الفكر والكلمات المنطوقة، ليست علاقة خارجية فالكلمة هي جزء من عالمي اللغوي، وجزء من الوسائل التي يستعين بها البدن في الاتصال بعالمه، أو كما يقول ميرلوبونتي. ونلاحظ من هذا أن “مشكلة علاقة الإشارة بدلالتها” هي عند ميرلوبونتي نفس “مشكلة البدن بالذهن”، ولذلك فإن معالجته تعد واحدة في الحالتين، فكما أن الوعي يكون متجسدًا في البدن، ويكون كلاهما مظهرين مرتبطين لأسلوب حضور الإنسان في العالم، كذلك فإن الكلمة والفكر الذي تعنيه أو تشير إليه يكونان مرتبطين معًا، فالكلمة تحمل معناها في باطنها كما تبطن إيماءات البدن دلالاتها في تجسيد نمط سلوكي أو شعوري معين. فالإيماءة اللغوية – شأنها شأن إيماءات البدن الأخرى – هي تعبير محسوس عن معنى يُدرَك بشكلٍ سابق على الوعي التأملي. صــ 62

 

▬ لم تكن أطروحة موت المؤلف، التي صاغها بارت في مقال له يحمل العنوان ذاته، سوى انعكاس لمناخٍ عام شاع فيه فكرة النهايات، وهي الفكرةُ التي ظهرت بوادرها في القرنِ التاسعِ عشر، وانتشرت بقوةٍ في القرنِ العشرين، لتصبحَ تيمة حاضرة باستمرار في فلسفات النصف الثاني من هذا القرن. وقد عكس هذا الانتشار للفكرة شعورًا عامًا لدى الغرب آنذاك بفقدان الثقة في المقولات التي تأسس عليها المشروع الحداثي الغربي، فجاءت فكرة النهايات لتعلن موت تلك المقولات وضرورة استبدالها بمقولات بديلة تصلح لطبيعة تلك المرحلة. ربما بدأت فكرة النهايات في الظهور بعد وفاة هيجل من خلال تلاميذه، فقد قال إيريك فيل: إن هيجل قد وضع للفلسفة نقطة النهاية. وقد أعلن اشبلنجر بعد ذلك صراحةً نهاية الغرب أو أفوله. ثم جاء نيتشه ليزكي تلك الروح عندما أعلن موت الإله كما كتب بنيامين عن نهاية الفن في عصر الإنتاج الآلي، وأسس هيدجر مشروعه الفلسفي على “تقويض الميتافيزيقا” وأعلن فوكو “موت الإنسان” كما أعلن رورتي “نهاية الفلسفة النسقية” وكتب فوكوياما بعد ذلك “نهاية التاريخ” وفي نفس السياق حاول فاتيمو حصر توجهات النصف الثاني من القرن العشرين الفكرية في خمسة مبادئ رئيسة؛ نهاية الفن وأفوله – موت النزعة الإنسانية – العدمية – نهاية التاريخ – تجاوز الميتافيزيقا. وهي كلها تنويع على فكرة النهايات. لا يوجد علم أو فلسفة أو فن بل إعلان النهاية لكلِ شيء، دق أجراس الموت، كما يشير عنوان أحد مؤلفات دريدا. صــ 91 ، 92

 

▬ يبدو أن كل الطرق لفهم النتاج الفكري لمفكري النصف الثاني من القرنِ العشرين تفضي بالضرورة إلى نيتشه. كان نيتشه يصف نفسه بأنه “ديناميت” والواقع أن هذا الديناميت قد تضاعف حتى انفجر في النصف الثاني من القرن العشرين محدثًا دويًأ هائلًا. لقد قدم نيتشه نقدًا لمفهوم الحقيقة، كان مؤثرًا بقوة في التصور الذي قدمه بارت لطبيعة النص؛ فقد رأى نيتشه أن هناك فهم ميتافيزيقي مضلل لمفهوم الحقيقة، فالشيء الحقيقي هو الخير والعام والواضح والنافع والجميل، وقد سعى الفلاسفة حول هذا الوهم طوال تاريخ الفلسفة محاولين الوصول إلى ما هو حقيقي. لكن السؤال الذي تناساه هؤلاء: من يملك تحديد الحقيقي؟ وما هو هذا الحقيقي؟ وليست المشكلة عند نيتشه متعلقة بالبحث عن الحقيقة أو محاولة الكشف عنها، بل المشكلة أن كلمة الحقيقة نفسها مضللة، فهي تنفي الاختلاف الذي هو من صميم الحياة. ولم يتوقف مفكر من قبل للتساؤل عن كنه الحقيقة، بل كانت كل الأسئلة متمحورة حول كيفية بلوغها أو شروط إمكانها. فكل الفلسفات اعتبرت أن مسألة الحقيقة ليست في حاجةٍ إلى ما يبررها. بل وأكثر من ذلك غدت مسألة الحقيقة هي المنطلق والأساس الذي تتأسس عليه كل فلسفة، وبالتالي أصبحت الحقيقة صنمًا أو إلهًا يقدسه الفكر باحثًا عن كل سبيل لبلوغه. في مقابل هذا الفهم، ينظر نيتشه للحقيقة على أنها حشد من الاستعارات والكنايات التي تكونت عبر التاريخ، وتم التعامل معها بعد ذلك بوصفها بديهيات أو حقائق. إن هذا المعنى النيتشوي لمفهوم الحقيقة سيجد تجلياته في النص البارتي. لهذا نجد بارت يفرق منذ البداية بين الأثر والنص، ويدعو للانتقال من الأول إلى الثاني؛ فالأثر لا يزعج فلسفات الهوية، والتعدد عند تلك الفلسفات هو الشر بعينه، الأثر له معنى متوارث مغلق لا يقبل التجديد، بل يعتبر التجديد فيه نوع من الهرطقة، أما النص فهو متعدد ولا تعني صفة التعدد التي يحوذها النص أنه يتحوي فقط على معانٍ عدة، وإنما يحقق تعدد المعاني ذاته “فالنص ليس تعدد لمعانٍ، بل هو مجاز وانتقال. وبناء على ذلك لا يمكن أن يخضع للتأويل، وإنما لتفجيرٍ وتشتيت. صــ 98 ، 99

 

▬ إذا افترضنا مع فرويد أن العمل الفني ما هو إلا انعكاس لحياة الفنان وتجاربه النفسية وحياته الشخصية فإن هذا الافتراض يلغي تعددية العمل الفني ويجهض إمكاناته التأويليه، لأنه في تلك الحالة سيكون ثمة معنى واحد للعمل الفني، وسيفقد العمل الفني قيمته وخلوده في الزمن، سيفقد هالته وبريقه إذا شئنا أن نستخدم مصطلحات فالتر بينامين. إذ يكفينا في تلك الحالة أن نعرف الدلالات السيكولوجية للعمل الفني وعلاقتها بحياة الفنان ليترسخ لدينا في نهاية الأمر أننا أحطنا بالعمل الفني في مجمله وأننا لسنا بحاجة للعودة إليه، فقد استنفد غرضه. وهكذا فعل فرويد في تعامله مع دافنشي، فمن منا بعد قراءة هذا التحليل يرغب في العودة إلى دافنشي ورؤية أعماله، فالمعنى قد تم كشفه، وما كان محتجبًا بالنسبة إلينا أصبح الآن واضحًا جليًا. هذا هو الحال إذا اعتمدنا التحليل النفسي للفن كما قال به فرويد وأصحاب نظري التحليل النفسي. صــ 104

 

▬ إن غاية كل فيلسوف الوصول إلى صياغات شبه رياضياتية. وبعكس ذلك إن حلم الأديب هو أن يحيط الكلمات بهالة من الغموض، ليس ذلك جريًا وراء الغموض، بل لأن دوره يتمثل في تصوير كيف أن كل عاطفة وكل حالة هي متناقضة وغامضة. فإذا ما قرأنا الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكويني وجدنا أن الله خير والشيطان شرير وانتهى الأمر. لكن لنقرأ الفردوس المفقود لملتون ولنطرح السؤال: هل الشيطان شرير؟ ليس هذا أكيدًا، يجب التعمق في المسألة. وإذا ما طلبنا من ملتون مزيدًا من التوضيح سيجيبنا: لتقرأوا الخلاصة اللاهوتية”. يفرق إيكو هنا بين أسلوبين للكتابة، الأسلوب الفلسفي الذي يتخذ من الصياغات الرياضياتية هدفًا له، أسلوب ينشد الوضوح والتميز، يخاطب العقل، يسعى لتحديد المعنى وحصره في أضيق حدود ممكنة. وهذا الأسلوب هو المتبع في الكتابة الفلسفية على مختلف العصور، فهو ذاته الأسلوب الذي عبر به ديكارت وكانط وهيجل ومن قبلهم أفلاطون وأرسطو. هناك بالطبع استثناءات لبعض الفلاسفة الذين حاولوا التعبير بأسلوب مختلف يقع على التخوم بين الأسلوب الفلسفي والأدبي، غير أن هذه المحاولات ليست سوى محاولات فردية ويظل الغلبة في النهاية لأسلوب التعبير الصارم الذي ينشد الدقة ويهدف إلى الوضوح والغموض، ولا يقدم المعاني الجاهزة المباشرة، بل يستفز ملكة التأويل لدى المتلقي ويشحذ قدراته النقدية. جاء بارت إذن ليقول أن النص أنتج في مكان وزمان مجردين، وأن الفنان ما إن يضع فرشاته أو قلمه وينتهي من عمله، فإن مهمته قد انتهت. وبالتالي لن يفيدين كثيرًا أن أقرأ إسم المؤلف على الكتاب. ينتهي دور المؤلف ويكون من باب الخيانة أن يقم بترجيح تفسيرٍ على تفسيرٍ آخر. صــ 107 ، 108

 

▬ إن العملَ على معنى أو معاني للنص، وفقًا لبارت، لابد أن ينطلق من قاعدة فينومينولوجية، فلا توجد آلة لقراءة المعنى، وليس ثمة خطوات منهجية تفضي إلى نتيجة واحدة، لهذا رفض بارت وصف مقاربته للنص بالمنهج وفضل استخدام كلمة إجراءات لقراءة النص، فالتحليل البنيوي للسرد  ليس فرعًا من فروع المعرفة، كالبيولوجيا وعلم الاجتماع، فهو لا يملك قواعد صارمة تشكل نظامًا ما. كما أن قراءة باحث ما لا تشكل إلزامًا لباحثٍ آخر، وليس بإمكان قارئ أن يتحدث بإسم قارئ آخر. ومن جهةٍ أخرى يظل البحث الفردي على مستوى كلِ باحث في حالة من الصيرورة، إذ أن لكلِ باحث تاريخه الخاص، وليس ثمة وصفة جاهزة للتعامل مع النص”. صــ 110

 

▬ تعددية المعاني لا تشكل – حسب رأي بارت – الجوهر الأساسي للأدب فحسب، وإنما هي المعيار الوحيد للقيمة الجمالية للعمل. فالأدب العظيم هو ذلك الذي يصارع  وبدون هوادة إغواء المعنى الواحد. ومن ناحيةٍ أخرى فإن انفتاح العمل يعني أن القراءة ستتحول إلى عملٍ إبداعي، ليصبح القارئ مبدعًا مشاركًا في النص؛ بمعنى أنه يشارك في إنجاز ما تركه الكاتب “مفتوحًا”. وهذه المشاركة تحقق ما يمكن أن نطلق عليه “اللذة الجمالية”. فتعدد المعاني يهب اللذة للقارئ، والعكس أيضًا، فإن تأطير النص ليس سوى تقييد لتلك اللذي “فلذة القارئ تبدأ عندما يكون منتجًا، أي عندما يسمح له النص أن يقوم بتشكيل قدراته الخاصة. صــ 112

 

▬ لكن هل يمكن بالفعل فصل العمل الأدبي، والفني على وجه العموم، عن المحيط الاجتماعي والثقافي السائد في المجتمع والتعامل معه على مستوى الألفاظ والدلالات اللغوية فقط؟ وما قيمة البناء اللغوي إذا كان لا يحيل إلا إلى ذاته؟ يبدو أن هذا ما لم يكن بارت يقصده. فقد كان هدف بارت الرئيس ألا يتم التعامل مع النص الأدبي بفروض مسبقة عن الكاتب والمؤلف وعدم اتخاذ مواقف نفسية من المؤلف قبل الدخول إلى عالمه. إن الفرضية المسبقة تعني أن القارئ لديه فكرة ما يحاول إثباتها والتحقق منها من خلال تعامله مع النص الأدبي، هي أشبه بالنتيجة التي يحاول أن يستقي مقدماتها من داخل العمل، وهذا يفضي في النهاية إلى قراءة أحادية للنص تزعم امتلاك حقيقته واكتشاف غاياته، وهذا الفهم نابع من تصور مؤداه أن ثمة حقيقة كامنة وراء النص، وتلك الحقيقة مرتبطة في الأغلب، بحياة المؤلف أو الإطار الثقافي التي أبدع فيها مؤلفه. هذا الفهم للنص الأدبي وطريقة التعامل معه هو ما جاء بارت ليناهضه من خلال مقولته عن موت المؤلف. فالنص بنية مستقلة بذاته، ودلالته ليست مسبقة بل هي لاحقة، وبالتالي فهو لا يشير إلى الماضي بل إلى المستقل. وبمجرد أن ينتج النص فإنه يترك مداره الخاص وسياقه المرتبط بنشأته حتى يدخل ف مدار آخر وسياق مختلف تمامًا. هذا السياق الجديد هو سياق النصوص الأخرى السابقة عليه والمتزامنة معه، وهذا السياق هو الذي لابد أن يتعامل معه القارئ دون أن يحاول نزعه منه. ولا يعني ذلك أن الوقوف عند حدود الألفاظ والدوال هو المبتغى النهائي للقارئ، إذا أن أطروحة بارت تقطع الطريق أمام الفروض المسبقة التي يدخل بها القارئ على النص لكنها لا تلغي الدلالات المختلفة للعمل الأدبي، فالنص قد يكشف عن أبعاد مختلفة مرتبطة بالواقع والمجتمع، لكن هذه الأبعاد لابد من بنائها واكتشافها داخل النص وليس بصورةٍ مسبقة أو على شكل افتراضاتٍ سابقة يسعى القارئ لإثباتها عبر قراءته. صــ 113، 114

 

▬ لقد ارتبطت أطروحة “موت المؤلف” عند بارت بفكرةٍ أخرى أشار إليها ضمنًا في مؤلفاته عندما وصف عملية الكتابة بأنها “امتزاج للكتابات”، وأن معنى النص ما هو إلا تعددية لنظمه، وقابليتها اللامتناهية (الدائرية) للنسخ، وهو الوصف الذي أعطته جوليا كريستيفا مصطلح “التناص” وأقره بارت في حينخ. ويعني التناص أن أي نص في النهاية ما هو إلا تجميع واقتباس وتداخل مع نصوص أخرى سبقته “فالكاتب لا يستطيع إلا أن يحاكي حركة سابقة له على الدوام، دون أن تكون هذه الحركة في الأساس أصيلة”. ويوضح شلوفسكي هذا بقوله “كلما سلطت الضوء على حقبةٍ ما، ازددت اقتناعًا بأن الصور التي تعتبرها من ابتكار الشاعر إنما استعارها هذا الشاعر من شعراء آخرين وبدون تغيير تقريبًا”. فلا يوجد نص أصلي، إنما النص هو تلاقٍ بين النصوص، وكل نص هو امتصاص وتحويل لنصٍ آخر. وفي ضوء ذلك، يكون هدف التفكيك – بحسب دريدا – البحث عن نص داخل نص آخر، وإحالة نص إلى نص، وبناء نص من نصٍ آخر…إلخ. إن التناص نتيجة طبيعية أيضًا لموتِ المؤلف، فالنصوص هي التي تفسر بعضها، ومن ثم وجب إبعاد العوامل الخارجية عن النص، فالسياق الخارجي لا يمكن أن يحدد علاقات النص ودلالته، لأن النص قد تجاوز هذا الخارجي وتحرر عنه واستقل عنه بوجود جديد، ينبني عليه عالم جديد. صــ 115

 

▬ على الرغم من أن تحليلات بارت بالفعل كان لها الأثر الأهم في أن تخطو الجماليات خطوات متقدمة في نهايات القرن العشرين، خاصةً في مجال النقد الأدبي، إلا أن إعلان بارت موت المؤلف لم يكن مقنعًا بالدرجة الكافية، وأسقط النقد الأدبي فيما أطلق عليه بارت حتمية الشكل، والذي ترتب عليه الاهتمام المفرط بالعلامات والدوال المستخدمة، وما تبع ذلك من الإغراق في التجريد، وافتقاد الشاعرية في التحليل، وصعوبة اللغة المستخدمة. إن من مقتضيات تمام العملية الإبداعية أن تكون هناك صلة نفسية ومعرفية بين أطرافها: المؤلف، النص، القارئ، وذلك يتيح “حرية للقارئ في إعادة بناء النص، وإذا انتفت المسافة النفسية افتقد القارئ القدرة على ممارسة خبرة الإبداع في تذوق العمل الفني وأضحى العمل الفني نوعًأ من التغييب للقارئ، بينما تتيح المسافة النفسية أن يكون حضور القارئ مساويًأ لحضور المؤلف لكي يدير حوارًا معه”، فكيف يحدث ذلك إذا افترضنا موت أحد أطراق عملية الإبداع وهو المؤلف. صــ 121

 

▬ وبعيدًا عن السيموطيقا نجد بيير بورديو يتخذ موقفًا ناقدًا من هذا الاتجاه وهو بصدد تحليله لحقل الإنتاج الفني. فقد توصل بورديو في كتابه الفن إلى صيغة معتدلة لا تنجرف وراء التحليلات النفسية والاجتماعية، وفي الوقت ذاته ترفض القراءات الداخلية للأعمال الفنية التي تتجاوز الظروف التاريخية التي أنتجتها. فالعمل الفني ليس مجرد تعبير عن عبقرية الفنان، ولا  هو مجرد انعكاس للظروف الاجتماعية والنفسية له، بل يتم إنتاجه من خلال الطابع الثقافي، الذي يعكس الأصل الاجتماعي والمسار الشخصي للفنان، وهو حقل – فضاء منظم من الاحتمالات – يحوي شتى المذاهب والأساليب المتنافسة كما تتحد الاحتمالات ذاتها من قبل التطور التاريخي لذلك الحقل فلا يوجد كاتب (أو فنان) يبتكر ببساطة أسلوبًا فنيًا من عدم، بل هو يختار تكرار ما هو موجود، أو أخذ نوع فني قائم ودفعه إلى اقصاه. لذا فإن كل تصريح يحمل بداخله موقفًا ما من الأعمال القائمة والمواقف الماثلة في الحقل الفني، وتنوع المواقف التي يستطيع أي فنان أن يتخذها في ضوء التاريخ السابق للحقل. وفي رأي بورديو، أن حقل الإنتاج الفني هو عالم من الثورة الدائمة والتمرد على الأساليب القائمة. وأن تفسير هذه الثورة يحتاج إلى فهم الحقل الثقافي بكافة كوناته، خاصةً أن هناك محددات تمارس تأثيرها على العمل الفني وعلى طرق استقباله لا دخل للفنان بها، ومنها الظروف الاجماعية والتاريخية والاقتصادية. صــ 123

 

▬ وقد اقترح البعض القيام بعملية إزاحة مؤقته لسلطان المؤلف عن النص، ثم يعيده ضيفًأ عليه “إن مفهوم الموت لا يعني الإزالة والإفناء، ولكنه يعني ارتحال القراءة موضوعيًا من حال الاستقبال إلى التذوق، ثم إلى التفاعل وإنتاج النص وهذا يتحقق موضوعيًا بغياب المؤلف، فإذا ما تم إنتاج النص بواسطة القارئ فإنه من الممكن حينئذ أن يعود المؤلف إلى النص ضيفًا عليه. وهذا المعنى نجده عند بارت في أعماله المتأخرة، يقول في مقالة له بعنوان من الأثر إلى النص: “لا يعني هذا أن المؤلف لا يمكن أن يعاود الظهور مجددًا في النص، في نصه، لكنه لو عاد سيعود في صورة مدعو”.. أخيرًا،، إن منح القارئ هذه الأهمية لم يكن يتطلب بالضرورة “تهميش المؤلف” واعتباره “آلة ناسخة للكلمات”، فموت المؤلف هو في الأصل تهميش للإنسان ضد الاحتفاء به في الاتجاه الحداثي “فعندما يتم عزل النسق يتم عزل التاريخ أيضًا، فتغدو الأبنية كلية لا زمنية، أو هي أجزاء اعتباطية من عملية تغيير غير تاريخية ومتحولة أبدًا”. صــ 124 ، 125

 

▬ الأديب – خاصةً الروائي – هو الذي يصور لك عالمًا، يأخذك إلى عالمه الرحب الذي سوف تجد نفسك بالتأكيد في شيء منه ربما عايشته يومًا ما أو عايشت شيئًا منه توارى في مملكة الذكريات المطوية، أو تمنيته بالخيال وفي عالم الأحلام. ولكنك في كل الأحوال لن تتمكن من النفاذ إلى هذا العالم ما لم تمتلك مفاتيح فك شفراته، وأولها أن تقرأ دائمًا بين السطور، وأن تعرف لغة الكاتب باعتبارها علامات تؤدي إلى عالمه الخاص القابع هناك. وهو عالم لا يكون معطى لنا على نحوٍ مباشر؛ ولذلك لا يمكن التعرف عليه من ظاهر النص فحسب؛ فاللغة هنا تكون مراوغة دائمًا بحيث تقول شيئًا وتقصد أشياءً. صــ 137، 138

 

▬ يبين لنا هيدجر أن الإسم ليس مجرد إشارة تعين شيئًا ما؛ فمثل هذه الإشارات إنما هي الأسماء بمعنى الرموز التي نستخدمها في لغة الحياة اليومية والمصطلحات التي نستخدمها في اللغة العلمية. أما حينما تكون اللغة لغةً بحق (كما في اللغة الشعرية أو الصوفية على سبيل المثال)، فإن الأسماء أو الكلمات فيها تستدعي وجودًا أو حضورًا لموجودا بعينها، كما لو كان لها قدرة سحرية أو تعزيمية على استحضار الموجود: فالكلمة هنا لا تشير إلى الخارج، وإنما تجلب الخارج إلى داخل.. تجعل الوجود مباطنًا في الكلمات ذاتها أو بحسب تعبير هيدجر البليغ: “اللغة مسكن الوجود؛ ولذلك فإنه يتوقف وقفة طويلة عند قصيدة شتيفان جئورجه بعنوان “الكلمة” والمؤلفة من سبعة أبيات.. يتوقف بوجه خاص عند البيت السابع والأخير الذي يقول فيه الشاعر: حينما تٌفتَقدُ الكلمة..لايمكن لشيء أن يكون. صــ 146

 

 

▬ الشعر والفلسفة أم الفلسفة والشعر؟ هل هناك دلالة للتقديم والتأخير في هذه الحالة؟ أرى أن المسألة هنا هي مجرد المنظور الذي ننظر  منه بحسب الأرض التي نقف عليها، فإذا كانت الفلسفة والشعر أشبه بجبلين يطلان على وادي مشترك بينهما كما صورهما  هيدجر؛ فإن هذا يتوقف على الجبل الذي نقف على قمته.. إذا كنت تنظر إلى الأمر من منظور أرسطو الذي كان يقف على قمة جبل الفلسفة في عصره، ستجد أن الفلسفة هي الاصل والمرجع والمعيار حينما يميز الشعر بقوله: إن الشعر يعبر عن الكلي”. ولقد أفاض الفلاسفة في تفسير هذا القول الذي لا يزال صالحًا حتى يومنا هذا؛ لأن الشعر يشارك الفلسفة في أنه يقدم لنا رؤية كلية للوجود، ولكنها مكثفة في اللغة الشعرية؛ فالشاعر لا يعنيه الحدث الجزئي العابر إلا بقدر ما يكون ممثلًا لحالة لها دلالة إنسانية عامة. ولكن الشاعر – في الوقت ذاته – لا يعبر عن هذه الدلالة بلغة التصورات الفلسفية المجردة، وإنما يعبر عنها في طابعها الحسي الملموس الذي يتجسد فيه المعنى والدلالة بلغة لا يمكن استبدالها، أي من خلال الكلمات بصوتياتها وإيحاءاتها التي تؤمئ إلى المعنى دون الإفاضة في شرحه وتفسيره. وإذا كنت تقف على جبل الشعر مثلما وقف حسن طلب وغيره من الشعراء الكبار، فسوف ترى أن الفلسفة لن تعينك بلغتها التقليدية على رؤية المشهد الذي تراه من قمة جبل الشعر. ذلك أن لغة التصورات المجردة لن تعينك على الإمساك بتجربة الحياة في طابعها المحسوس والمعيش والغامض أحيانًا. ولهذا نجد أن بعض الفاسفة قد مالوا إلى التعبير عن رؤاهم الفلسفية بلغة لا تخلو من الحالة الشعرية. ولا شك أن حالة نيتشه جاءت معبرة عن هذا المشهد بصورة إبداعية. كما أن أكثر الفلاسفة صرامةً في صياغتهم للقضايا الفسلسفية، قد وجودا في النهاية أن العالم نفسه أوسع كثيرًا من حدود هذه اللغة المنطقية الصارمة، واكتشفوا بعد طول تأمل أن تجربتنا في فهم العالم تنطوي على مناطق غامضة لها طبيعة صوفية تتجاز حدود معرفتنا المباشرة، ومن ثم لا تستوعبها لغتنا المنطقية. ولا شك أن حالة فتجنشتين قد عبرت عن هذا المأزق على مستوى الدرس الأكاديمي. وإذا كان نيتشه قد تجاوز هذا المأزق بصورة عملية في صياغته لفلسفته، فإن هيدجر قد تمثله وأفصح عنه فلسفيًا، أعني على مستوى الدرس الفلسفي.. وعلى غرار هيدجر و نيتشه  سار فلاسفة عظام من أمثال جاستون باشلار.. ذلك العالم الذي تحول إلى الفلسفة، ولكنه لم يصوغ فلسفته في لغة العلم ولا في لغة الفلسفة التقليدية، وإنما من خلال لغة التأمل الانعكاسي التي تعبر عن خبرات لا يمكن وصفها من خلال لغة العقل أو التصورات المجردة، ولذلك كان يستعين بمقاطع شعرية لشعراء كبار فيما بين ثنايا سرده الفلسفي/الشعري. ويكفي القارئ أن يطلع على ذلك من خلال كتاباته العديدة، وعلى رأسها كتابه الشهير “جماليات الكان”. صــ 158 ، 159

 

▬ البحث عن معنى الشعرية هو بحث في ماهية الشعر، أي في كل ما يجعل أشكال القصيد تشارك في الشعر، وفحواها أن المعنى الذي تومئ له اللغة الشعرية يكمن في اللغة ذاتها بكل صوتياتها وإيقاعاتها وصورها الحسية. والحقيقة أن هذه الشعرية يمكن أن تتجلى عمومًا في سائر أشكال اللغة أو القول؛ ولذلك فإن الحالة الشعرية يمكن أن تتجلى بدرجات متفاوتة في سائر فنون القول بحسب ثقل طرفي العلاقة بين الصوت والمعنى، فكلما كان المعنى مباطنًا  في حسية الكلمة، مال  القول إلى الشعرية. بل إن الشعرية تتجلى أيضًا في سائر الفنون حينما تعمد إلى الإفصاح والقول من خلال لغتها الخاصة المرئية واللامرئية (بالمعنى الواسع للغة هنا)، وبهذا الاعتبار يمكن أن نتحدث عن شاعرية الرواية، بل عن شاعرية الصورة السينمائية على سبيلِ المثال. صــ 166
قد يعجبك ايضا
أنت هنا لأنك مهتم بقرأة الكتب .. اشترك بالنشرة البريدية
أنت هنا لأنك مهتم بقرأة الكتب .. اشترك بالنشرة البريدية
آخر المستجدات في بريدك الإلكتروني في صباح كل يوم
ندعوك أيضًا لمتابعة حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد